فبراير 15، 2012

الألتراس والاستغلال السياسي



ذهبت السكرة.. وجاءت الفكرة..
مباراة كرة قدم تتحول لمجزرة من أبشع مجازر التاريخ الرياضي -إن لم تكن أبشعها على الإطلاق- ويروح ضحيتها شباب طالما رفعوا علم مصر وهتفوا باسمها في المحافل والميادين.. فرحمة الله على من مات غيلة وغدرًا ونسأل الله لأهلهم الصبر والسلوان.

** شباب الألتراس
الألتراس اسم تردد كثيرًا في السنوات الأخيرة حيث زاد الاهتمام بكرة القدم من قبل النظام السابق كنوع من التخدير المتعمد لعقول الشعب المصري وترتيبًا لأولويات ذهنية تشغله عن الفساد المنهجي ومسلسل التوريث الذي أحبطته ثورة 25يناير المجيدة.
و(ألتراس Ultras) هي كلمة لاتينية تعني الشيء الفائق أو الزائد، وهي فئة من مشجعي الفرق الرياضية والمعروفة بانتمائها وولائها الشديد لفرقها، بدأت في البرازيل عام 1940 ثم انتقلت الظاهرة إلى أوروبا ومنها للعالم كله.
وظل مصطلح الألتراس مرتبطًا في أذهان المواطنين بشغب الملاعب والتعصب الكروي المنظم، حيث لكل فريق طائفة من المشجعين يلازمونه في كل مبارياته يرفعون أعلامه ويهتفون باسمه وضد الفريق الآخر، مع الغناء المتواصل وعدم الجلوس طوال المباراة كنوع من الشحن المعنوي لأفراد الفريق.
ظلت ممارسات الألتراس لها دور كبير في الملاعب لدوره في دعم فريقه الرياضي، ولاقت استهجان شديد للممارسات السلبية التي اقترنت بهذا الدعم من السباب بالألفاظ النابية والإشارات البذيئة واللافتات التي تحمل الكراهية والسخرية من الفريق المقابل، واستخدام الشماريخ والألعاب النارية.
ومما زاد من الممارسات السلبية لأفراد الألتراس سلوك اللاعبين أنفسهم مع الحكام وجماهير الفريق المنافس والاشتباك بالأيدي في أحيان كثيرة رفضًا لقرارات التحكيم أو احتجاجًا على تصرف معين من قبل الفريق المنافس، مما ينتقل بدوره للمشجعين حمية وتعصبًا للاعبيهم، فتحدث المشاجرات والمشاحنات وتبادل الهتافات والشتائم اللاذعة، وتكسير المدرجات كنوع من الاحتجاج العنيف.
وتتفاوت درجة التطرف في التعصب بين مجموعات الألتراس، وكلما كبر حجم الفريق وتباعدت طرق التواصل بينه وبين ألتراس الفرق المتنافسة وزادت حدة المنافسات التاريخية كلما زادت درجة التعصب، وفي الحالة المصرية ظلت العداوة التاريخية بين جماهير النادي الأهلي (ألتراس أهلاوي-ألتراس ديفلز) من جهة، وجماهير المصري البورسعيدي (ألتراس سوبر جرين) وجماهير الإسماعيلي (ألتراس يللو دراجون) من جهة أخرى.
وبرغم المنافسة التاريخية بين قطبي الكرة المصرية الأهلي والزمالك، إلا أن المنافسة بينهما لم تصل لدرجة التطرف التي بين جمهوري الأهلي و(المصري-الإسماعيلي) لانتشار شائعة أن النادي الأهلي لم يستقبل لاعبي محافظات القناة في فترة التهجير في أعقاب نكسة 1967!

**فئة غير مسيسة
ارتباط الألتراس بالرياضة جعلهم فئة غير مسيسة بطبيعتها، فلم تكن لدى الألتراس في مصر كتنظيم غير رسمي مشكلة سياسية مع النظام السابق كما لغيرهم وذلك لانشغالهم الدائم بقضايا الكرة وصراعات الرياضيين، إلى جانب ما كان يقدمه النظام السابق من دعم سخي للاعبي الكرة -خاصة من جمال وعلاء مبارك- أدى لولاء الكثيرين منهم لمبارك ونظامه وخروج عدد منهم في مظاهرات التأييد له أمام مسجد مصطفى محمود قبل التنحي.
وبرغم دعم بعض أفراد الألتراس للثورة كمواطنين مخلصين لبلادهم إلا أن هذا الدعم ظل فرديًا خارج منظومة الألتراس، ومحكومًا بأخلاق الميدان التي كانت تمنع التظاهرات والهتافات الفئوية أيًا كانت.

** الاستقطاب
إلا أن هناك من لاحظ حماسة الألتراس واندفاعهم الشديد وتعصبهم وميل أغلبهم للعنف اللفظي والجسدي أحيانًا، فقرر استقطابهم لخدمة قضيته مع خصومه، لاسيما وهناك كثير من الأطراف ترغب في المشاركة في أي عمل ثوري بعد نجاح الثورة في الإطاحة برأس النظام لإثبات وجودهم في المنظومة السياسية الجديدة، فكان الألتراس أحد هذه الأطراف باختلاف انتماءاته الرياضية.
استقطاب فئة غير مهتمة بالعمل السياسي وليس لها دراية كافية بآلياته، كان ذلك هو الجريمة الأبشع التي ارتكبتها النخبة المصرية بعد الثورة، فكان استدعاء الألتراس في المليونيات لتأييد مواقف معينة أو لمهاجمة تيارات معينة.
شباب حديث السن، مندفع، متعصب لما يؤمن به، سليط اللسان في أغلبه، عنيد ويصعب تغيير قناعاته بسهولة، كان هذا هو المطلوب لاستغلاله سياسيًا لمهاجمة بعض التيارات وبخاصة وقت الانتخابات كما شاهدنا أمام بعض اللجان الانتخابية، أو بالمشاركة في إشعال الموقف في محمد محمود واستفزاز العسكر والشرطة بمساهمة كبيرة من المشردين وأطفال الشوارع.

** من المدرج للمذبحة
وجدت القوى المعادية للثورة الفرصة سانحة أمامها لإحداث الفوضى بإشعال النار في النقاط الملتهبة في مصر: شباب الثورة المتحمس والمندفع - الخاسرون في الانتخابات البرلمانية - وجماهير الكرة المتعصبون.
يكفي إشعال عود ثقاب صغير وسيشتعل الموقف بالكامل في مباراة لكرة القدم بين الأهلي والمصري البورسعيدي المعروفان بالعداء التاريخي بينهما الذي تخطى كرة القدم إلى الطائفية المقيتة، وتسيل الدماء الغالية ويتحول ملعب النادي المصري إلى مقبرة كبيرة.
تأتي بعد ذلك مزايدات الخاسرون في سباق الديمقراطية على شاشات الفضائيات -أو إن شئت قل (الفضائحيات) المصرية- للضغط على البرلمان الجديد للصدام العنيف مع المجلس العسكري، ومزيد من الاحتقان والفوضى على يد شباب الثورة المتحمس، ليكتمل المشهد الفوضوي وندخل في دوامة العنف المتصاعد.

** ماذا بعد الكارثة
وبغض النظر عن الطرف المسئول عن هذا الحدث المأساوي -وأستبعد تمامًا أن يكون ألتراس النادي المصري له علاقة بالحادث- يأتي السؤال الملح وسط هذا الكم الهائل من الفوضى المرعبة التي تملأ المشهد المصري.. من الذي أعطى الفرصة لهذه الأطراف الباغية لاستغلال هذا الشباب المتحمس المتعصب ليتم استغلاله في تدمير مكتسبات الثورة وتشويهها أمام الرأي العام المصري والعالمي؟
أما كان الأولى استثمار طاقاتهم وحماستهم في دعم جهود التنمية في هذه اللحظات العصيبة؟
وإلى متى سيستمر هذا المشهد الهزلي الذي تمثله نخبة غير مسئولة لا يهمها سوى استقطاب من تستأسد به على منافسيها، فتكون كمن أحضر العفريت ولم يقوى على صرفه؟
هناك من يصر على حرق كل ما هو جميل في بلدنا لخدمة مصالحه، وأجمل ما فيها هم شبابها وقادة مستقبلها..

ولكن الله لهم بالمرصاد..
(ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّه وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) [محمد : 28]

***********************************************************************
المقال منشور في كل من: الحياة إيكونوميست - وكالة أنباء مصر

أكتوبر 07، 2011

غيث الهداية


الهداية كالغيث .. يلقيه الله في الأرض فتهتز وتربو حتى تثمر فتصير شجرة طيبة من بعد موات .
وكما تهتز التربة بهطول المطر، كذلك يهتز القلب المؤمن بالله .. واهتزازه هو خشوعه وخضوعه للواحد الأحد .

والقلب هو منبت الصلاح ومنطلق الهداية والفلاح .. وكما يضخ الأكسجين للجسم ليتجدد النشاط في أوصاله، كذلك يضخ الإيمان في الروح فتخشع الجوارح وتطمئن وتستجيب، وتلك هي الهداية.

والهداية لا تأتي لقلب خامل كسول فبمقدار ما يكون فيه من صدق وخير يكون العطاء الإلهي، وذلك مصداقاً لقوله تعالى: "إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً" [الأنفال : 70] ، ويقول تعالى: "فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً" [الفتح : 18].

أما إن كان القلب مريضاً قد أنهكته صنائع الذنوب ومطاعم السحت، فأنى له أن يصلح الجسم وهو أحوج ما يكون إلى الصلاح ، (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب .. الحديث"
فإذا تمادى في الغي والضلال فلن يجد جزاءاً إلا من جنس عمله : " فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً " [البقرة : 10]

ويحتج بعض أصحاب القلوب المريضة بأن الهداية لم تصبه بعد، وكأنه علم ما في الغيب ورضي بأن يكون مع الأشقياء، وفي هؤلاء يقول الدكتور مجدي الهلالي -حفظه الله- : ( العبرة بما في القلوب فهي محل نظر الرحمن، يقول تعالى : "وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ". [الأنعام : 53]
فلا بد من وجود الخير في القلب، قال تعالى : " وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ "، ولو أسمعهم وهم على حالتهم هذه من عدم وجود الخير في قلوبهم .. " لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ " [الأنفال : 23]) 1.

ولما كانت قلوب المنافقين مريضة وهزيلة، بل قل ميتة، فإنها قد أقامت بينها وبين الهداية سداً لا تستطيع الهداية له نقبا .

وتأمل معي قوله تعالى : " وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ" [التوبة : 75] ..
فماذا كان فعلهم " فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ" [التوبة : 76] ..
فماذا كان الجزاء ؟ " فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ "[التوبة : 77]
فالجزاء من جنس العمل .. وسر المسألة تجليها الآية التي تليها .. " أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ"[التوبة : 78] ..
فقد أسروا النفاق في قلوبهم حتى تمكن منها، ولو لم يعطهم الله من فضله وأخذهم بما في قلوبهم لاحتجوا يوم القيامة وقالوا: "لم نمتحن ولم نختبر ولم نعطى، أفلا نرد فنعمل صالحاً؟!" .. "وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ" [الأنعام : 28]
وحاشاه تعالى والظلم .. وهاهي جوارحهم تفضح ما تكنه صدورهم وتستره قلوبهم " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ " [المنافقون : 3] .

وإن هدى الله العبد في الدنيا إلى صلاح دينه هداه في الآخرة إلى صراطه المستقيم وتلك أعظم هداية يمن بها الله على عباده.
وفي ذلك المعنى يقول ابن القيم -رحمه الله- في قوله تعالى: "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ" [الفاتحة : 6] : (فهداية الصراط المستقيم تتضمن الشفاء من مرض الضلال ولذلك كان سؤال هذه الهداية أفرض دعاء على كل عبد وأوجبه عليه كل يوم وليلة في كل صلاة لشدة ضرورته وفاقته إلى الهداية المطلوبة ولا يقوم غير هذا السؤال مقامه)2.
___________________________________
1) الإيمان أولا فكيف نبدأ به، د.مجدي الهلالي -  ص150-151
2) مدارج مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين - ابن قيم الجوزية

مارس 12، 2011

حدث في يوم 28 يناير .. صفحة من مذكراتي


(لن يعرف رائحة الحرية .. من لم يشم رائحة الغاز المسيل للدموع) ..

أكتب مارأيت وشهدت في ذلك اليوم لي وللتاريخ.. حتى لا ننسى.

********************

هتافات.. دموع.. دماء.. هيستريا.. اختناق.. صراخ.. تلاحم.. غضب.. حرية.. ألم.. عزة

قد تبدو الكلمات السابقة غير مترابطة، ولكنها تعبر فعلياً عن المشاعر والمشاهدات التي تعبر عن ذلك اليوم المهيب..

فمهما كتبت عن ذلك اليوم فلن أوفي تلك المشاعر حقها في التعبير عنها..

حقاً إنها مشاعر يفسدها الشرح..

********************

بدأت الجموع تتحرك من كل أنحاء الجيزة بعد صلاة الجمعة مباشرة.. معلنة عهد جديد.. وهتافاتها تملأ الشوارع والأحياء.

مواطنون يهتفون لسقوط النظام وأنهم لن ينزلوا من سقف مطالبهم هذه المرة، فالهدف واحد هذه المرة.. وقلب نظام الحكم أصبح هدفاً وطنياً يعترف به الجميع.. بل ويفخر به ويعلنه لمن حوله بغير خوف ولا تردد.

شباب وأطفال ونساء وعجائز وكبار السن.. باختلاف انتماءاتهم وعقائدهم.. هدفهم واحد ولن يتراجعوا عنه.. اسقاط النظام الفاسد..

كانت نقطة التجمع ميدان الجيزة والتحرك منه إلى ميدان التحرير للانضمام للجموع المرابطة هناك॥ مهما كان الثمن..

لم نكن نعرف أن النظام قرر أن يكون الثمن باهظاً وأن يدفع الشعب فاتورته من دمائهم وممتلكاتهم.

المسيرة كانت سلمية.. والتأكيد على أنها كذلك يبدو من الهتافات واللافتات وسلوك المتظاهرين تجاه كل من يسعى لتدمير ما يراه "ملكاً للحكومة الظالمة التي يراها سلبت حقوقه الطبيعية".. هكذا كان يفكر البعض.

في حوالي الساعة الواحدة والربع بعد الظهر وصل المواطنون لميدان الجيزة بعد اختراق جموع الأمن المركزي القليلة نسبياً عند مداخل الطرق.

وبدأت "عملية الغاز المصبوب"॥ !!

السماء تمطر قنابل مسيلة للدموع يشعر من تصله غازاتها بحالة من الاختناق الشديد وتهيج في العينين والأنف، يعقبه كحة شديدة وإغماءات في بعض الحالات..


لقد تعلموا جيداً من حلفائهم الصهاينة والأمريكان كيف يدمرون شعباً.

جن جنون الشباب الثائر.. خاصة مع قرائتهم لما كتب على القنبلة.. (Made in USA)॥ لقد انكشف المستور.. وعرف الشعب أين تذهب أمواله.. وفي جيب من..

بدأت الموازين تختل وخرجت الأمور عن السيطرة..

وبدأت الاستعدادات للمواجهة..

بلا تراجع..

كمامات طبية.. وشاحات مبللة بالخل.. بصل.. علب من الكوكاكولا والبيبسي.. كل ذلك لتخفيف آثار الغاز البشعة.. مع اهتمام خاص بالنساء وكبار السن بإمدادهم بما يلزم..

اندفع مجموعة من الشباب للصفوف الأمامية –بشجاعة نادرة- في مواجهة جحافل الأمن المركزي.. وأخذوا في صد القنابل الكثيفة وإعادة رشق العساكر بها.. (قوات الدفاع)..

ومجموعة أخرى لتجهيز الطوب وقذف العساكر به لإجبارهم على التوقف أو التراجع (قوات الردع)..

ومجموعة أخرى لإسعاف المصابين بالخل والبصل والكوكاكولا والماء॥ (الإسعافات الأولية).

ومجموعة لرفع اللافتات وترديد الشعارات والهتاف لحث المواطنين على عدم التراجع.. (الشئون المعنوية)

وقامت مجموعة بإحضار خراطيم المياه لابطال مفعول القنابل.. (الخدمات المعاونة)

وتضامن الأهالي القاطنين بالميدان مع المتظاهرين بإلقاء زجاجات المياه لهم وإسعاف المصابين بحالات الإغماء في منازلهم..

كل ذلك تم بعفوية شديدة وبسرعة مذهلة..

كانت القنابل تقذف بكثافة شديدة أثارت دهشة الجميع وعبارات الغضب من نوع (ده ولا الصهاينة يا ولاد الـ...) تملأ الأفواه..

حاول بعض الثائرين -ممن جن جنونهم لما رآه وتعرض له- تدمير ما يراه من لافتات المحافظة إلا أن المتظاهرين أوقفوه واحتضنوه مهدئين من ثورته..

صلينا العصر في مجموعات.. والقنابل لا ترحم أحد.. وعادت الجموع للاستمرار.. وبكى البعض في الصلاة بعد أن رأى بعينيه كيف يكون الاستبداد والقمع والجور.. وكيف يعامل النظام شعبه عندما يعلن رأيه فيه أنه لا يريده..

مضت دقائق قليلة بعدها ومع ثبات المتظاهرين تراجعت جحافل الأمن..

ومع كل مشاعر الغضب التي ملكت النفوس إلا أن الجميع قاموا بمصافحة ومعانقة العساكر والضباط المتواجدين أسفل الكوبري॥ وأعرب العساكر عن تأييدهم لتحرك الجماهير وأنهم مغلوبون على أمرهم.. وأنهم يتمنون لو كانوا مع الناس في هذه اللحظات الحاسمة في تاريخ مصر।

الشعب "المسالم" يصافح جنود الأمن المركزي والجنود يعبرون عن سعادتهم بإنجاز المتظاهرين

استمرت المسيرة تجوب الشوارع إلى ميدان التحرير وهتافات الجماهير تحث المواطنين على مشاركتهم لثورة الحرية، والسكان يشيرون من شرفات البيوت بشعارات التأييد للشعب الثائر.

وصلنا لكوبري عباس وقد سبقتنا جموع كثيفة من الجمهور॥ وقاموا باستقبال المرحلة الجديدة من عملية "الغاز المصبوب" وتجددت المواجهات مرة أخرى بنفس السيناريو ولكن بأعنف ما يكون..

الأستاذ ابراهيم عيسى وحالة شديدة من الإعياء بسبب الغاز

تراجعت جحافل العسكر بعد يأسها من تراجع الجماهير الغاضبة.. تاركة ورائها آلياتها ليقوم عدد محدود من الشباب الثائر بالتعامل معها كنوع من اعلان النصر على حكومة الظلم.. مع محاولة الكثيرين إثنائهم عن ذلك ولكن دون جدوى.

كان الوصول إلى كوبري قصر النيل بمثابة عملية انتحارية॥ مع تزايد القنابل المقذوفة وتزايد حالات الاختناق والاغماء.. وظهور سلاح جديد وهو الرصاص المطاطي وقذائف (الخرطوش) مما تسبب في إصابات بالغة.. وتزايد للغضب الشعبي والإصرار على الاستمرار مهما يكن.. فحياة المواطن أصبحت هينة في أعين رجال الشرطة وبهذا المبدأ تعاملت الجماهير..

آثار الخرطوش على ظهر أحد المواطنين

وأسجل هنا مالم أره من قبل في حياتي من تلاحم عجيب لأبناء هذا الشعب العظيم وقت المحن॥ لا تجد مصاباً إلا والجميع حوله.. لا تجد امرأة إلا والكل يحميها.. لا تجد أحداً ينشغل بنفسه أو ما أصابه من الرصاص والشظايا.. الكل يعمل بروح واحدة وهدف واحد।

بكيت من تلك المشاهد كما لم أبكي من قبل॥ هذه هي مصر الحقيقية.. وهؤلاء هم المصريون الذين لم يقدر حاكمهم أصالة أبناء شعبه।

وبعد أذان المغرب كانت المسيرة قد انتهت إلى نهاية كوبري قصر النيل॥ وبدأت مرحلة جديدة أشبه ماتكون بحرب العصابات تم استخدام كل شيء متاح فيها من قبل الفريقين..

تعامل الشباب مع الموقف سريعاً أيضاً॥ قامت مجموع من الشباب بصناعة متاريس من أكشاك المرور.. وطبول من أغطية الأكشاك.. وصدادات للقنابل من صناديق القمامة।

الفدائيون ..!

وحدثت موجة شديد من المطاردات في الشوارع الجانبية لميدان التحرير من قبل عساكر القمع.. كنت أحد أطرافها لولا أن الله سلم.. ونجوت لأكتب هذه السطور.

انتهت المواجهات بانسحاب الشرطة نهائياً من أرض المعركة تاركة ورائها ما ثقل وزنه وغلا ثمنه من السيارات المصفحة وأدوات القمع العسكرية من خوذات وعصي ودروع.. وأهم من ذلك كله عساكرها المصابين من جراء المواجهات ممن دهسوهم بأقدامهم عند انسحابهم.. ليقوم المواطنون بإسعافهم وتضميد جراحهم ونقلهم إلى المستشفيات.

وممن رأيناهم كذلك عدداً من العساكر ممن انضموا للمتظاهرين إيماناً منهم بألا يعينوا ظالماً في ظلمه وأن قضيتهم وقضية الشعب واحدة.

أصبحت ساحة ميدان عبد المنعم رياض وميدان التحرير وموقف عبد المنعم رياض خالية تماماً إلا من المواطنين وبعض الآليات العسكرية المتفحمة.

وأصبح المواطنون في مواجهة مبنى الحزب الوطني الديمقراطي.. وهي أول مواجهة من نوعها في تاريخ مصر..

اكتفى الكثيرون بإلقاء الحجارة على المبنى تنفيساً عن غضبهم المكبوت لثلاثة عقود مضت يحكمهم فيها أصحاب هذا المبنى، وتسلق الآخرون ممن لا يجدون قوت يومهم لأخذ ما يعتبرونه حقاً طبيعياً لهم سرقه منهم رجال أعمال الحزب..

فوجئنا بما حدث وحاولنا إثناء الكثيرون عن هذا الفعل إلا أنه قد سبق السيف العزل وقام بعض الثائرين بصنع تاريخهم الخاص بإضرام النار في مبنى الحزب الوطني.. الديمقراطي.

انتقلت بعد شراء زجاجة مياه شرب وزجاجة مياه معدنية إلى ميدان التحرير لمتابعة الأحداث هناك.

كان مشهداً لم أره من قبل في حياتي.. عدد هائل من "القلة المندسة" كما يسميها الإعلام الرسمي يصعب حصره،

منهم مراسلون ونشطاء وفنانون.. أطباء متطوعون لإغاثة الجرحى.. مواطنون من شتى المحافظات حضروا خصيصاً لإسقاط النظام من العاصمة.

امرأة تحمل طفلها الملتحف بعلم مصر.. شاب مع زوجته حاملين الأعلام.. رجال يحكي كل منهم مشاهداته في هذا اليوم المهيب..

وعلى صعيد آخر –كما يقولون في نشرات الأخبار- كانت هناك مواجهات دامية في الخطوط الأمامية بجوار الجامعة الأمريكية، حيث تمركزت بقايا الأمن المركزي لصد المتجمهرون عن محاولة الوصول لمبنى البرلمان.. المطعون في عضوية 90% من أعضائه..!

ظلت المواجهات وقذائف الغاز المسيل للدموع تقذف بمدى أوسع لتفريق مظاهرة القلة المندسة، وزادت كثافة الرصاصات المطاطية وقذائف الخرز المعدني (لا أعرف إسمها تحديداً).

وقمت بزيارة عاجلة لمسجد في أحد الشوارع الجانبية تحول لمستشفى ميداني..

والوضع هناك يصعب وصفه ويتعسر تخيله لمن لم يره، فنحن لسنا في مصر بل نحن أشبه ما نكون في غزة أو بغداد.

جرى على الأرض يملأون المكان.. وجوه مضمخة بالدماء.. أيادي وأقدام تنزف.. نساء في حالة يرثى لها.. والأطباء يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه وإرسال الحالات الخطرة إلى المستشفى عن طريق سيارات المتطوعين.

حصلت على أقراص للصداع.. ثم ابتعدت قليلاً في امتداد شارع طلعت حرب لأستنشق هواءاً نقياً قد يزيل أثر القنابل الغازية.. ثم رجعت لأرى الموقف في الميدان وقد ازداد سوءاً وازدادت القنابل اتساعاً في المدى بعد اتخاذ عساكر الأمن المركزي وجنود الشرطة العسكرية من سطح الجامعة الأمريكية وما حولها من المباني قاعدة لانطلاق القنابل والرصاص.

كل هذا يحدث مع انقطاع تام بيننا وبين العالم.. فشبكات المحمول والانترنت منقطعة تماماً.. ولا نعرف ما يجري حولنا.. ونتعجب من صمت النظام تجاه ما يجري وعدم محاولة الحوار أو إرسال أي رسائل إلى الجماهير الغاضبة إلا رسائل القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والحي أيضاً في بعض الأحيان.

وصلتنا بعض الأنباء أن الجيش تدخل في الوضع وتأكدنا عندما رأينا بعض المصفحات الحربية، إلا أن تدخل الشرطة العسكرية إلى جانب عساكر القمع أفقدنا الثقة في الجميع.. إلا الثقة في الله فهو نعم المولى ونعم النصير.

ابتعدت قليلاً عن رائحة الغاز الذي ملأ السماء بدخان أبيض.. ولاحظت تفرق كثير من المتظاهرين المجهدين بعد هذا اليوم الشاق وكلهم مصر على الاستمرار حتى النهاية..

تجاذبت أطراف الحديث مع بعض المرابطين في أحد الشوارع الجانبية.. حتى قدم علينا طبيباً من المتطوعين..

فسألناه عن الأحوال في ساحة الميدان.. فما أن بدأ في الحديث حتى أجهش بالبكاء كالأطفال من هول ما رآه..

لقد قامت قوات القمع البوليسي بالهجوم على المستشفى الميداني سالف الذكر.. وإرهاب الأطباء والجرحى وإلقاء القنابل المسيلة للدموع والرصاص حول المستشفى وإجبار من فيها من المرضى والمسعفين على الخروج من منها رغم وحالات إصابة مباشرة في القلب.. والبطن.. وأماكن حساسة في الجسم..

وبعد إصرار من المسعفين والأطباء.. سمحوا بإخراج الحالات الخطيرة لتوصيلها إلى المستشفى وهي بين الحياة والموت.

لم يتمالك الطبيب الشاب نفسه وهو يتحدث إلينا بصوت متهدج من فرط البكاء حتى انهار تماماً ومشى مسرعاً لا ندري إلى أين ولعله هو كذلك لا يدري إلى أين.

انتصف الليل وماتزال القنابل تتساقط والمتظاهرون يخلون الميدان جزئياً.. حتى استولت عليه عساكر الأمن المركزي والشرطة العسكرية.. وانصرف كثير من المتظاهرون للراحة وإعادة الكرة مرة أخرى.

لعله أطول يوم شهدته مصر منذ عقود طويلة..

ولعلي لم أعطي الحدث حجمه وأفسدته حين شرحته..

فالمشاعر لا توصف.. وسيأتي يوم نحدث فيه أطفالنا وأجيالنا القادمة.. ونقص عليهم ما حدث في 28 يناير.


كتب في : 29 يناير 2011

ديسمبر 04، 2008

أفلام المهرجانات .. للكبار فقط !!!

أتعجب كثيراً ويتعجب غيري من قاطني هذا البلد من نوعية الأفلام التي تعرض في المهرجانات الفنية الدولية، ومن المفترض في تلك المهرجانات التي ينفق فيها الملايين أن تكرم مجموعة من الأفلام لإثرائها التراث الفني بأعمال تستحق الإشادة .

ولكن ما نجده عكس ذلك تماماً ، فنسمع عن أفلام حازت رضا النقاد وحصلت على أعلى الجوائز ونال أصحابها الأوسمة والتكريمات رغم أنها لم تحقق أي نجاح جماهيري يذكر .

والمدهش أن غالبية هذه الأفلام تشترك في عدد من الصفات :

أولها: أنها ساقطة جماهيرياً ، ونجد أن أغلبها قد فشل جماهيرياً فشلاً ذريعاً ، فيحتال أصحابها على هذا الفشل بالاشتراك في مهرجان من المهرجانات بهذا العمل الهابط والغير فني بالمرة ، فيحصل الفيلم على جائزة كبيرة مما يشجع صاحبه على تكرار هذا الفشل في عمل آخر يفشل جماهيرياً وينجح مهرجانياً !
وثانيها أنها غريبة الشكل والمضمون، ومثيرة للاشمئزاز إلى حد بعيد، فلا تشعر وأنت تشاهد الفيلم إلا برغبة في التقيؤ المصاحب لشعور بالغثيان من كم الهم والنكد الذي يحويه الفيلم ، فالقصة في الغالب مأساة أو اغتصاب أو فشل أو كارثة أو أي حماقة أخرى .. هذا بالتأكيد مضافاً إليه الغموض وعدم وضوح القصة .

وثالثها أن نسبة العري والانحلال قد تصل لمستوى من الفجاجة والاستفزاز يفقد العمل فنياته، أللهم إلا لو كانت هذه هي فنياته في نظر السادة النقاد .

وأجدني أتساءل ما القيمة الفنية لأي عمل إذا كان بهذا المستوى .. ساقط جماهيرياً .. غريب وغير مفهوم .. فاضح ومنحل ؟!
سمعت إحدى فنانات العري المشهورات كانت تدافع عن فيلمها الذي مارست فيه ومورس معها فيه جميع أنواع المحرمات (زنا-اغتصاب-حمل سفاح- إلخ..) بأنه قد قيل لها أنه فيلم مهرجانات .. ويا فرحة 80 مليون مواطن بفيلم المهرجانات .
ولا نتعجب إذا أن نجد أفلام إيناس الدغيدي وخالد يوسف وآخرون من المغمورين .. تحصل على أعلى الجوائز في المهرجانات الدولية (وأقصد بها المصرية التي يطلق عليها دولية) ..

وأتساءل لمن توجه هذه الأفلام بالتحديد ؟ وما الهدف من أي قيمة إذا كانت حبيسة مهرجانات مغلقة لا يهتم بالحضور فيها إلا هواة التلميع الاعلامي وصائدوا الكاميرات .

قد أتهم بالجهل وعدم الفهم والرجعية والسطحية ، ولكنني أقترح على صناع أفلام المهرجانات أن يطبعوا من هذه الأفلام نسخ بعدد الجهابذة من عشاق هذا اللون من الفنون ومرتادي تلك المهرجانات ليشاهدوها ويستمتعون بها في منازلهم .. فعامة الشعب من الجهلاء أمثالي .. !!!
______________
نشرت في ديسمبر 2008

أكتوبر 02، 2008

هموم مواطن

مازالت مصر تمر من كرب إلى كرب ومن حال إلى أسوأ يوماً بعد يوم ..

فالسلطة الجبرية الحاكمة تأبى أن ينعم الشعب بالأمان أو الاستقرار ولاتكاد تجد مصرياً من أبناء الشعب المطحونين ينعم بالأمان في بيته ..
منذ مدة سافرت من بلدي في الصعيد إلى القاهرة كي أقضي بعض المصالح التي لا تقضى إلا في القاهرة كالعادة .. فشعرت بوحشة شديدة وغربة لم أشعر بها في أي من أسفاري خارج مصر .. وأصعب الغربة أن تكون غريباً وسط أهلك ..

الفساد ينخر في كل مكان في البلد ، لا تستطيع أن تقضي مصلحة في جهة حكومية إلا بالطرق الملتوية والواسطة والمحسوبية والرشاوي ، وإلا فلن يلتفت إليك أحد ولتذهب مصالحك إلى الجحيم !

تنظر في وجوه الناس صباحاً فتجد الهموم قد خطت آثارها على وجوههم الكالحة المهدورة كرامتها وآدميتها ، المسلوبة حقوقها لصالح شرذمة من أصحاب النفوذ والمال والمناصب ..

فترى المواطن البائس يدخل بيته مكدوداً آخر يومه فتقع عيناه على وجوه أبناءه الشاحبة من الجوع ووجه زوجته الذي علاه الهم والحزن من ضيق العيش ، فيسرع بالخروج من البيت ليذهب ليسري عن نفسه مع أحد أصحابه المطحونين أيضا ، ولكن ..

أتراه يجرؤ على الحديث بصوت مرتفع عن الحكومة وما تفعله أو حتى يرفع يديه بالدعاء على من ظلمه ؟ .. للأسف حتى هذا ليس له !

يرجع إلى بيته وهو متعثر الخطى لا يدري كيف سينظر إلى وجوه أولاده وهم ينتظرون ما سيكون في يد أبيهم من الهدايا ، يقلب في رأسه هذه الأفكار ولا يفيق منها إلى على صوت صاحب سيارة كادت تصدمه وهو يصرخ في وجهه قائلاً : " مش تفتح .. انت أعمى.. هي نقصاكو .. حنجيبها منين ولا منين " ، فيرد المواطن البائس اليائس : " يا ريتك صدمتني وريحتني ! "

إخوتي الأفاضل هذه ليست قصة من وحي خيالي ولكنها واقع مرير يعيشه المصريون كل يوم تطلع فيه الشمس ومسلسل يومي يحدث في كل بقاع مصر .

ولو أردت أن تكتئب أكثر سر في شوارع القاهرة الساعة الثانية ظهراً موعد خروج الموظفين وانظر لوجوه الناس... وأفعالهم ...

انظر للأطفال الذين تركوا مدارسهم أو لم يدخلوها أصلاً ليسعوا لطلب الرزق من بيع المناديل في أشد ساعات اليوم ذروة ...

انظر لعدد المجانين والمختلين عقليا الذين امتلأت بهم شوارع أم الدنيا وأمام المساجد وكل منهم له قصة ..

انظر لطوابير المواطنين أمام أفران الخبز .. أنظر لصفوف العاطلين والشباب الذي امتلأت به المقاهي ...

وعلى الجانب الآخر الصورة مختلفة تماماً فتقارير الحكومة تأتي كالعادة وردية والحال عال العال والاقتصاد بمنتهى القوة والمواطن مستريح والرخاء عم البلاد وليس في الإمكان أبدع مما كان ..

ومن يشاهد التلفاز أو القنوات الفضائية المصرية يشعر أنه في فرنسا وليس مصر !
عري .. انحطاط .. مجون .. سفه ونشر للفاحشة بمنتهى الصفاقة وكأننا قد انتهينا من جميع مشاكلنا ونبحث عن الرفاهية .

ولو كنت ممن لايعجبهم هذا الحال واستشعرت واجبك تجاه قضايا بلدك وأمتك وسعيت لبناء هذا الوطن واصلاح ما فسد فأنت من المغضوب عليهم وتهمتك جاهزة وهي " الانتماء لجماعة محظورة أسست على خلاف القانون وتسعى لتعكير الجو العام والسلام الاجتماعي .. إلخ" أو تهمة أخرى انضمت لقاموس الحكومة وهي : "التحريض على الشغب وإثارة الرأي العام " ، أو في أحسن الظروف أنت مدعو للإستضافة في مقر من مقرات أمن الدولة لتلقى نصيبك من كرم الضيافة على يد من لايرحم .

كل هذا ويدعي بعضهم أن البلد تواجه تحديات كبرى ويجب أن نتكاتف لاستكمال مسيرة الإصلاح السياسي !

الإصلاح يا سادة لم يبدأ بعد حتى نسعى لاستكماله ، والكيل طفح ولم تعد الناس تطيق .. والكبت يولد الانفجار ..

ولو حدث الإنفجار فالملف سيكون في يد رجل الشارع العادي ولن تستطيع أي النخب على الساحة السياسية من قيادته .. وأنى للثور الجريح الهائج أن يهدأ ؟

فلتصلحوا ما بينكم وبينشعوبكم قبل ألا ينفع الندم !

وساعتها "سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ".